شهدت مدينة فاس خلال العقود الأخيرة تغيرات ديمغرافية عميقة بفعل موجات الهجرة القروية، التي ساهمت في إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة.
وبينما يعتبر هذا التحول نتيجة طبيعية للنمو الحضري وتوسع المدن، إلا أنه أثار جدلاً واسعًا حول تأثيراته على هوية المدينة ومكانتها التاريخية.
فقد عرفت فاس، كغيرها من المدن الكبرى، توافد أعداد كبيرة من الأسر القادمة من القرى والمناطق النائية بحثًا عن فرص اقتصادية وتعليمية أفضل ، هذا التدفق السكاني أدى إلى ضغط هائل على المدينة والخدمات الأساسية، مثل السكن والصحة والتعليم، مما ساهم في تفشي العشوائيات والاختلالات العمرانية في بعض الأحياء كسيدي بوجيدة و البورنيات و بندباب و المسيرة و غيرها من الهوامش التي اصبحت نقطا سوداء.
هذا و قد ارتبطت فاس منذ قرون بكونها عاصمة علمية وثقافية، حيث كانت تضم نخبًا فكرية وعائلات عريقة ساهمت في بناء مجدها التاريخي. إلا أن موجات الهجرة القروية المتزايدة أثرت بشكل واضح على الطابع العمراني والاجتماعي للمدينة، حيث اختفت العديد من المظاهر التقليدية، وبرزت أنماط سلوكية جديدة لم تكن مألوفة في المجتمع الفاسي.
رغم أن الهجرة القروية جلبت يدًا عاملة ساهمت في إنعاش بعض القطاعات الاقتصادية، إلا أن البطالة والهشاشة الاجتماعية تفاقمت، خصوصًا مع قلة فرص العمل وضعف المشاريع التنموية في المدينة. هذا الوضع دفع بعض الفئات المهمشة إلى ممارسة أنشطة غير مهيكلة، مما زاد من انتشار بعض الظواهر السلبية، مثل التوسع العشوائي والتلوث البصري والاختناقات المرورية.
إن تحميل مسؤولية التغيرات التي طرأت على فاس للهجرة القروية وحدها يُعتبر مقاربة قاصرة، إذ إن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب سياسات حضرية قادرة على استيعاب هذا النمو الديمغرافي بشكل منظم.
والحل يكمن في:
• تعزيز التنمية القروية: عبر تحسين ظروف العيش في القرى والمناطق النائية للحد من النزوح الجماعي نحو المدن.
• إعادة هيكلة المجال الحضري: من خلال توفير سكن لائق وتنظيم الأحياء العشوائية وإصلاح المرافق الأساسية.
• الحفاظ على الهوية الثقافية: عبر تعزيز الموروث الثقافي الفاسي وتنشيط الحياة الفنية والتراثية للمدينة.
تبقى فاس مدينة عريقة بتاريخها وحضارتها، لكن التحولات التي عرفتها تفرض تحديات حقيقية على مستقبلها. ومعالجة إشكالية الهجرة القروية لا يجب أن تكون عبر الإقصاء، بل من خلال سياسات تنموية عادلة تحفظ للمدينة أصالتها وتضمن اندماج الوافدين إليها في نسيجها الاجتماعي بشكل متوازن ومستدام.