على بُعد أسابيع قليلة من انطلاق منافسات كأس أمم إفريقيا، الحدث القاري الأكبر الذي يشدّ أنظار العالم نحو المدن المغربية، تبدو فاس وكأنها خارج دائرة الضوء، أو بالأحرى مدينة لا تعلم أنها معنية بموعد استثنائي يُفترض أن يُشكّل فرصة لتعزيز إشعاعها السياحي والرياضي.
ورغم أن فاس مُدرجة ضمن المدن الحاضنة للمباريات، إلا أن جولة بسيطة في شوارعها كافية لالتقاط مفارقة لافتة: لا وجود لأي علامات احتفالية، لا ملصقات، لا حملات تواصلية، ولا تجهيزات تُبرز أن المدينة مقبلة على استضافة أحد أهم الأحداث الرياضية في القارة.
هذا الغياب غير المفهوم يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدّية الاستعدادات ووضوح الرؤية لدى المتدخلين.
في الوقت الذي بدأت مدن مغربية أخرى في تزيين شوارعها، وإطلاق حملات ترويجية، وتعزيز بنياتها لاستقبال الوفود والجماهير، ما تزال فاس محافظة على وتيرتها العادية، بل الرتيبة، دون أن تتجلى أي حركة استثنائية تشير إلى حجم الموعد المنتظر.
ويؤكد مهتمون بالشأن الرياضي أن هذا الخفوت الاتصالي ليس مجرد صدفة، بل امتداد لسنوات من “التواصل الغائب” وغياب مبادرات جريئة لتسويق صورة المدينة، رغم ما تزخر به من مؤهلات تاريخية تجعل منها واجهة مثالية أمام عدسات الإعلام الدولي.
التساؤل الكبير اليوم هو: من يتحمّل مسؤولية هذا الفراغ؟
هل يتعلق الأمر بضعف التنسيق بين الجماعة الترابية والفعاليات الرياضية والإدارية؟
أم أن المدينة تعيش ارتباكاً في تنزيل البرامج المتعلقة بالبنية التحتية والتهيئة المصاحبة للكان؟
الأمر الأكيد أن التواصل المؤسسي شبه غائب، خصوصاً في ملف يتطلب تعبئة واسعة للمواطنين، وخلق دينامية اقتصادية، وتقديم صورة قوية عن فاس كمدينة قادرة على احتضان حدث قاري بهذا الحجم.
تاريخياً، تُعتبر فاس إحدى أهم العواصم الروحية والثقافية في إفريقيا، ما يجعلها في موقع مثالي للاستفادة من الزخم الإعلامي الذي يرافق “الكان”.
لكن استمرار غياب مظاهر الاستعداد قد يُحوّل هذه الفرصة إلى موعد ضائع آخر، يُضاف إلى سلسلة من المحطات التي لم تُستثمر بالشكل المطلوب.
السياحة، التجارة، النقل، والفندقة… كلها قطاعات كان من المفترض أن تتحرك بسرعة لاستباق الحدث وتهيئة الظروف لاستقبال آلاف الزوار، غير أن الواقع يُظهر أن المدينة ما تزال في وضع الانتظار، دون أن يلوح في الأفق أي تغيير.
المطلوب اليوم هو تحرك عاجل ومنسق بين مختلف الفاعلين:
- إطلاق حملة تواصلية قوية
- تزيين الشوارع والمساحات العامة
- تحديد برنامج ثقافي ورياضي موازٍ
- مواصلة تأهيل المرافق المحيطة بالملاعب
- تعبئة الساكنة والانفتاح على الإعلام
فالمدن التي تستضيف أحداثاً كبرى لا تحتاج فقط إلى ملاعب جاهزة، بل أيضاً إلى روح احتفالية وصورة جذابة تُبرز هويتها وقوتها.
وفي انتظار تحرك رسمي يواكب حجم الحدث، تبقى فاس اليوم مدينة تستعد بصمت… صمت أكبر مما يجب.






