في كل استحقاق انتخابي، تتكشف عورة المشهد السياسي الوطني عن ممارسات تُمعن في إفراغ العمل الحزبي من محتواه الفكري والأيديولوجي. ولعلّ الظاهرة الأكثر استفزازاً للرأي العام تتمثل في “الترحال السياسي” اللاحسابي، حيث يتنقل بعض المنتخبين و على رأسهم نور الدين اقشيبل بين النقيض ونقيضه—من جلباب الإسلاميين إلى مظلة الليبراليين ثم تراكتور الأصالة والمعاصرة—في رحلة البحث الدؤوب عن “التزكية” وضمان المقعد النيابي، بقطع النظر عن الحصيلة السياسية أو الأهلية الأخلاقية للمرشح.
تزداد الصورة قتامة حين نستحضر سوابق هذا السياسي ، وعلى رأسها واقعة ضبط البرلماني المعني اقشيبل متلبسا بحيازة ثلاثة هواتف ذكية داخل قاعة امتحانات البكالوريا بمدينة الرباط؛ وهي الفضيحة التي جرت عليه حينها عقوبة الإلغاء والحرمان من قبل اللجان التأديبية لوزارة التربية الوطنية.
إن إصرار الأحزاب الكبرى التي تراهن على قيادة المشهد الحكومي على استقطاب أسماء تحوم حولها شبهات خرق القانون—سواء في المحافل السياسية أو حتى داخل الفصول الدراسية—يطرح علامات استفهام حارقة حول عقيدة هذه الهيئات ومصداقيتها.
فكيف لحزب يرفع شعار التحديث والحكامة وتجديد النخب أن يبني مشروعه السياسي على استقطاب مرشحين أثبتت التجربة إفلاس حصيلتهم التشريعية والأخلاقية؟
وتكمن الخطورة الكبرى في أن سياقة الحكومة وتدبير الشأن العام لا يحتاجان فقط إلى خريطة أرقام ومقاعد برلمانية، بل يتطلبان نخبا تمتلك الكفاءة، الرؤية الإصلاحية، والمصداقية الأخلاقية. والأحزاب التي تتغاضى عن السلوكيات السياسية لمن تستقطبهم وتتجاهل ماضيهم التشريعي والشخصي من أجل ضمان الغالبية، إنما تؤسس لأغلبية برلمانية هشّة ومسيرة حكومية محكومة بالرداءة.
إن الاستمرار في تزكية “أعيان الانتخابات” و”الرحالة السياسي” يضرب في مقتل مفهوم التدبير الديمقراطي، ليغدو السؤال المطروح ليس فقط من سيقود الحكومة، بل بأي نخب وأي قيم سيتم تدبير المستقبل؟






