أوزين وخصومة الصحافة.. حين يتحول فيسبوك إلى منصة للاتهام والوعيد

الحقيقة 24منذ ساعة واحدة
أوزين وخصومة الصحافة.. حين يتحول فيسبوك إلى منصة للاتهام والوعيد

ليس أخطر على السياسي من اللحظة التي يعتقد فيها أن صفته تمنح كلماته قوة الدليل، وأن ما يكتبه على فيسبوك يمكن أن يقوم مقام الوقائع. وهذا تحديدا هو المأزق الذي وضع محمد أوزين نفسه فيه، بعدما اختار أن يخوض خلافه مع مؤسسة إعلامية عبر تدوينات تجاوزت مناقشة خبر نشرته شوف تي في إلى إطلاق اتهامات خطيرة وإقحام إدريس شحتان وأسرته والموتى والأنساب، وصولا إلى استعمال عبارات تحتمل معنى الوعيد. هنا لم يعد الأمر مجرد حق في الرد، بل أصبح من المشروع مساءلة أمين عام حزب عن الحدود التي يرسمها لنفسه عندما يغضب من الصحافة.

البداية في الأصل بسيطة ولا تحتاج إلى كل هذا الضجيج. شوف تي في نشرت خبرا يعتبره محمد أوزين غير صحيح. من حقه الكامل أن ينفيه، وأن يطالب المؤسسة بتصحيحه، وأن ينشر الوثائق التي تثبت روايته، بل وأن يتوجه إلى القضاء إذا اعتبر أن ما وقع يمس حقوقه. هذه وسائل يعرفها السياسي والصحافي معا، وهي كافية لحسم الخلاف أو على الأقل وضعه في إطاره الطبيعي. لكن أوزين لم يتوقف عند الخبر، بل وسع دائرة المواجهة حتى أصبحت التدوينة أكبر من القضية نفسها، وأصبحت الأسئلة المطروحة حول أسلوب رده لا تقل أهمية عن السؤال المتعلق بصحة الخبر الذي أغضبه.

وعندما يضع أمين عام حزب في التداول كلمات من قبيل الابتزاز والفساد والمساومة، فنحن لا نتحدث عن أوصاف عادية يمكن إطلاقها ثم المرور إلى موضوع آخر. هذه اتهامات ثقيلة، وإذا كان أوزين يتوفر على ما يثبتها فالمكان الطبيعي لها ليس جدار فيسبوك، وإنما المؤسسات المختصة. لا يكفي أن يمتلك السياسي جمهورا واسعا أو صفة حزبية حتى تتحول ادعاءاته إلى حقائق. وبين أن تقول إن شخصا ارتكب فعلا خطيرا وبين أن تثبت ذلك توجد مسافة اسمها الدليل، وفي دولة المؤسسات لا يختصر هذه المسافة تدوين غاضب مهما كان صاحبه.

والأغرب أن الخلاف الذي يفترض أن موضوعه خبر صحافي خرج من الصحافة إلى الحياة الخاصة. ما علاقة أسرة إدريس شحتان بصحة ما نشرته شوف تي في؟ وما علاقة الموتى والأنساب بخبر يقول أوزين إنه غير صحيح؟ إذا كان الخبر خاطئا، فتكذيبه لا يحتاج إلى عائلة شحتان. وإذا كان صحيحا، فلن تجعله العائلة خاطئا. لذلك فإن إقحام هذه الدوائر لا يخدم أي تفنيد مهني، بل ينقل المواجهة من مساءلة المادة المنشورة إلى استهداف الشخص ومحيطه، وهنا يفقد السجال جزءا كبيرا من مشروعيته السياسية.

محمد أوزين ليس مدونا مجهولا يمكنه أن يكتب ما يشاء ثم يختبئ خلف عبارة “هذا رأيي”. الرجل أمين عام لحزب سياسي ووزير سابق، وهذه الصفة لا تمنحه امتيازا في الكلام بقدر ما تفرض عليه مسؤولية إضافية. فمن يقود حزبا يطمح إلى ممارسة السلطة يفترض فيه أن يكون قادرا على تحمل النقد، بما في ذلك النقد الذي يراه ظالما، وأن يرد عليه بوسائل السياسة والقانون. وإذا كانت تدوينة واحدة كافية لدفع النقاش إلى العائلات والموتى والاتهامات الثقيلة، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال عن الطريقة التي يفهم بها هذا المسؤول العلاقة بين السلطة والصحافة.

ثم تأتي عبارة أن “الساعة قد اقتربت”، وهي عبارة لا يجوز التعامل معها بخفة عندما تصدر في خضم خصومة من مسؤول سياسي. أي ساعة يقصد أوزين؟ إذا كان يقصد ساعة القضاء، فالقضاء لا يحتاج إلى مواعيد يحددها السياسيون لخصومهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وإن كان يقصد شيئا آخر، فمن حق المعني بالأمر والرأي العام أن يعرفا المقصود. المسؤول السياسي مطالب بأن يكون أكثر وضوحا حين يتعلق الأمر بعبارات يمكن فهمها على أكثر من وجه، لا أن يتركها معلقة لتنتج التأويلات ثم يمضي.

أما الحديث عن محاربة “التفاهة”، فيضع أوزين أمام تناقض يصعب تجاهله. لا يمكن مطالبة الصحافة بالارتقاء بخطابها ثم النزول بالخلاف معها إلى الشخصنة. ولا يمكن تقديم دروس في أخلاقيات الإعلام بينما يجري إقحام العائلات في معركة لا علاقة لها بها. الصحافة مطالبة بأخلاق المهنة، نعم، لكنها ليست الطرف الوحيد المطالب بالأخلاق في المجال العام. السياسة أيضا لها أخلاقها، والمسؤول الذي يطالب الصحافي بضبط كلماته مطالب بأن يبدأ بكلماته هو.

وحتى “تامغرابيت” جرى إدخالها إلى معركة كان من الأفضل أن تبقى بعيدة عنها. الانتماء إلى المغرب ليس حجة في خلاف حول مادة إعلامية، والوطنية ليست شهادة يصدرها رئيس حزب لمن يتفق معه ويسحبها ممن يزعجه. لا محمد أوزين يملك تامغرابيت ولا إدريس شحتان يحتكرها، وتحويل مفهوم جامع للمغاربة إلى أداة في خصومة شخصية لا يخدم السياسة ولا الصحافة، بل يضعف معنى المفهوم نفسه.

وفي الخلفية يظل المجلس الوطني للصحافة، الذي يفترض أنه موضوع يستحق معركة أفكار لا معركة أشخاص. يمكن لأوزين أن ينتقد طريقة تنظيم المهنة وأن يعارض هذا الطرف أو ذاك، ويمكن لشحتان أن يدافع عن موقفه، لكن المجلس ليس ملكا لأي منهما. النقاش الجدي يتعلق باستقلالية المهنة وتمثيلية الصحافيين والناشرين والقانون وآليات التنظيم الذاتي، وليس بمن ينتصر في مبارزة فيسبوكية. وحين تطغى الحسابات الشخصية على هذه الأسئلة، يصبح الخاسر الحقيقي هو النقاش المهني نفسه.

ولكي تكون الأمور واضحة، فإن انتقاد أوزين لا يعني منح شوف تي في حصانة. إذا كان الخبر الذي نشرته غير صحيح فعليها أن تتحمل مسؤوليتها المهنية والقانونية، وإذا ثبت وقوع خطأ فالتصحيح واجب، وإذا كان هناك تجاوز يعاقب عليه القانون فالقضاء موجود. لكن المسؤولية لا تعمل في اتجاه واحد. فمن حق أوزين مطالبة الصحافة بالدليل، ومن حق الصحافة والرأي العام أيضا مطالبته بالدليل عندما يطلق اتهامات بالفساد والابتزاز والمساومة.

كان بإمكان أوزين أن يضع شوف تي في في موقف صعب جدا بجملة واحدة: هذا الخبر غير صحيح، وهذه الوثائق التي تثبت ذلك. وكان بإمكانه أن يفكك المادة المنشورة نقطة نقطة، وأن يترك الوقائع تحكم بينه وبين المؤسسة. لكنه اختار أن يفتح أبوابا أخرى، فتحولت القضية من امتحان مهني للخبر إلى امتحان سياسي لخطاب أمين عام حزب. وبدل أن يبقى أوزين صاحب تكذيب، أصبح هو نفسه موضوعا للنقاش.

هذه هي الخسارة السياسية الحقيقية في هذه القضية. ليس لأن أوزين اختلف مع الصحافة، فالاختلاف حقه، وليس لأن الصحافة ينبغي أن تكون محمية من الرد القاسي، فهي ليست كذلك. وإنما لأن مسؤولا سياسيا اختار، في لحظة كان يستطيع فيها أن ينتصر بالوثيقة والحجة، أن يمنح الأولوية للتدوينة والاتهام والشخصنة والعبارات الملتبسة.

في النهاية، الأمر أبسط من كل هذا: من يملك تكذيبا يقدمه، ومن يملك وثيقة ينشرها في الحدود التي يسمح بها القانون، ومن يملك ملفا عن جريمة يضعه أمام القضاء. أما تحويل فيسبوك إلى محكمة، والسياسي إلى مدع وقاض في الوقت نفسه، فلن يجعل خبرا غير صحيح أكثر خطأ، ولن يجعل اتهاما بلا حكم حقيقة. وقد يربح صاحبه بعض التصفيق الافتراضي، لكنه يخسر شيئا أهم بكثير بالنسبة إلى رئيس حزب: صورة المسؤول الذي يعرف أن قوة السياسة تبدأ عندما تنتهي لغة الوعيد وتبدأ الحجة.

آخر الأخبار