في مشهد يحمل أكثر من دلالة، ظهر عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومدير مراقبة التراب الوطني مؤخرا على متن قطار إلى جانب المواطنين، في صورة عفوية بعيدة عن مظاهر البروتوكول والحراسة المشددة التي قد ترافق عادة كبار المسؤولين.
الصورة، في حد ذاتها، لا تحتاج إلى كثير من التعليق؛ فرجل يشغل واحدة من أكثر المسؤوليات حساسية في الدولة المغربية، ويختار أن يكون بين المواطنين، دون مظاهر استعراضية، يبعث برسالة واضحة مفادها أن القرب من المواطن ليس شعارا، وإنما سلوك وممارسة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا المشهد هو أن من يؤدي واجبه بضمير، ويضع خدمة الوطن والملك والشعب فوق كل اعتبار، لا يحتاج إلى استعراض القوة حتى يشعر بالأمان. فالطمأنينة الحقيقية لا تصنعها السيارات الفارهة ولا كثرة الحراس، وإنما يصنعها الإحساس بأن الإنسان يؤدي الأمانة التي أوكلت إليه بما يرضي الله ويخدم الوطن.
حموشي، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بالعمل الأمني والاستباقي ومواجهة مختلف التهديدات، اختار في هذه اللحظة أن يظهر كما هو: مواطن بين المواطنين، بعيدا عن الرسميات، وهو ما جعل الصورة تتجاوز مجرد لقطة عابرة داخل قطار.
أما الذين دأبوا على مهاجمة الرجل والتشويش على صورته، فربما تكون هذه الصورة وحدها كافية للرد عليهم؛ لأن أفضل جواب على الضجيج هو الهدوء، وأقوى رد على الاتهامات هو العمل، وأبلغ رسالة إلى الخصوم هي أن المسؤول الذي يثق في نفسه وفي عمله وفي مؤسسات بلاده لا يحتاج إلى الدخول في سجالات عقيمة.
فالرجل الذي يحمل مسؤولية الأمن الوطني وأمن الدولة، ثم يجلس بين المواطنين في قطار دون تكلف أو استعراض، يوجه رسالة صامتة لكنها قوية: المسؤولية ليست امتيازا، بل أمانة، والهيبة لا تفرض بالصراخ وإنما تكتسب بالعمل والانضباط والنتائج.
وبعيدا عن الأشخاص والحسابات الضيقة، تبقى صورة حموشي في القطار مشهدا يستحق التوقف عنده، لأنها تذكر بأن المسؤول الأمني، مهما علت رتبته، يظل في نهاية المطاف واحداً من أبناء هذا الوطن، وأن قوة رجل الدولة الحقيقية ليست في المظاهر، وإنما في الثقة التي يتركها وراءه وفي احترام المواطنين له.
وكما يقول المغاربة: إلى كان الضمير مرتاح، ما كاين لا خوف لا ارتباك.
وفي النهاية، قد يختلف الناس في السياسة أو في المواقف، لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد المسؤول وبين استهداف الأشخاص والتشويش المجاني. أما حموشي، فالأجدر أن يحكم عليه من خلال حصيلة عمل المؤسسات التي يشرف عليها، ومن خلال ما يقدمه رجال الأمن يوميا من تضحيات لحماية المواطنين والممتلكات واستقرار البلاد.
إنها ببساطة صورة رجل يمشي بين الناس دون أن يبحث عن التصفيق، ويجلس بينهم دون أن يحتاج إلى استعراض، وكأن الرسالة تقول لأعدائه قبل محبيه: من كان مطمئنا إلى ما قدمه لوطنه، فإن أقوى حراسة له هي ضميره.






