سقوط القلعة الاقتصادية للعاصمة العلمية : فاس تحتضر اقتصاديا و الركود يضرب بقوة فيما البطالة تتمدد

الحقيقة 2421 يوليو 2026
سقوط القلعة الاقتصادية للعاصمة العلمية : فاس تحتضر اقتصاديا و الركود يضرب بقوة فيما البطالة تتمدد

بين أزقة “المدينة القديمة” التي طالما ضجت بحركة التجار وزوار التاريخ، يخيم هدوء غير معتاد يختزل عمق الأزمة الاقتصادية التي باتت تصارعها مدينة فاس في السنوات الأخيرة.


فالركود التجاري والتباطؤ الاقتصادي لم يعودا مجرد انطباعات عابرة، بل تحولا إلى واقع يومي يلقي بظلاله الثقيلة على المحلات الحرفية، الأسواق الشعبية، والأنشطة الخدمية، وسط تساؤلات ملحة حول أسباب هذا التراجع وسُبل الخروج منه.



​هذا و تُجمع التحليلات الاقتصادية على أن جزءا كبيرا من الأزمة الراهنة يعود إلى التغيرات الهيكلية في خريطة الاستثمار الاستراتيجي بالمملكة. فبينما استقطبت المحاور الساحلية (الدار البيضاء – الرباط-القنيطرة ) والقاطرة الشمالية (طنجة) كبرى المشاريع الصناعية والتجهيزات اللوجستية الحديثة، ظلت فاس تعاني من تراجع في قدرتها التنافسية وفي جلب رؤوس الأموال القادرة على خلق فرص شغل مستدامة.

​هذا التفاوت الإقليمي انعكس بشكل مباشر على قطاعات حيوية كانت تشكل العصب الاقتصادي للمدينة، وعلى رأسها قطاع النسيج والصناعة الجلدية، اللذين واجها منافسة شرسة من الأسواق الخارجية والمنتجات المصنعة آليا، ناهيك عن ارتفاع تكاليف المواد الأولية وضعف آليات التحديث.


​ففي الوقت الذي تعتبر المدينة القديمة بفاس أكبر منطقة مشاة في العالم، وقلبا حيا للصناعة التقليدية والسياحة الثقافية. غير أن التجار والحرفيين هناك يدقون ناقوس الخطر؛ فالمبيعات شهدت تراجعا حادا جراء انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، واقتصار جانب كبير من الحركة السياحية على “سياحة العبور” قصيرة الإقامة و ليالي المبيت .


​و في تصريحه للحقيقة24 يقول أحد مهنيي القطاع في تصريح صحفي: “لم تعد المشكلة في إنتاج القطع التقليدية، بل في تصريفها. أساليب التسويق التقليدية لم تعد تستجيب لمتطلبات السوق، والكتلة النقدية المتداولة بين أيدي الساكنة المحلية تقلصت بشكل ملحوظ”.

​كما يرى خبراء أن استمرار بعض الممارسات العشوائية وتعدد الوسطاء يسهمان في إضعاف تنافسية المنتج التقليدي ويسيئان أحيانا إلى التجربة السياحية للزائر.


​لم تكن فاس بمعزل عن التحولات الديموغرافية؛ إذ شكلت المدينة طيلة العقود الماضية وجهة لاستقطاب الهجرة القروية من المناطق والشرائح المجاورة. وفي ظل عدم قدرة القطاع المنظم على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من اليد العاملة، اتسعت رقعة الأنشطة غير الهيكلية، مما خلق ضغطا إضافيا على الخدمات والشركات الممتثلة للضوابط الضريبية والقانونية.

​رغم قتامة المشهد الراهن، تظل الرهانات قائمة على برامج ومبادرات قد تشكل طوق نجاة للاقتصاد المحلي. وتتجه الأنظار نحو تفعيل برامج إعادة تأهيل وتثمين المعالم التاريخية، وتحديث البنيات التحتية، فضلا عن جذب الاستثمارات في مجالات جديدة كالتكنولوجيا والتوفير الخارجي للخدمات (Offshoring).

​كما يرى متتبعون للشأن المحلي أن الاستعدادات للفعاليات والظواهر الرياضية والثقافية الكبرى التي تحتضنها المملكة قد تشكل رافعة حقيقية لضخ دماء جديدة في قطاعات الفندقة، المطاعم، والبناء، بشرط أن تترافق مع استراتيجية تسويقية مبتكرة تعيد لفاس مكانتها كمركز اقتصادي وثقافي لا غنى عنه.


​و بين عراقة الماضي وإكراهات الحاضر، تقف فاس عند مفترق طرق حاسم؛ أزمة مستفحلة تتطلب حلولا جذرية وتظافر جهود مختلف الفاعلين المحليين والمركزيين، لإعادة العاصمة العلمية إلى سكة النمو والازدهار.

آخر الأخبار