لليوم السادس على التوالي، تشهد عدة أحياء بمدينة فاس انقطاعا كليا للتزوّد بالماء الصالح للشرب، متزامنا مع موجة حرارة قياسية وصهد خانق يلف العاصمة العلمية، مما أدخل مئات الأسر في معطاف أزمة إنسانية واجتماعية حادة تزداد تفاقما مع مرور الساعات.
وفي جولة ميدانية بين الأحياء المتضررة، تعكس وجوه المواطنين حجم المعاناة والغضب الساطعيْن. يتساءل أحد السكان بنبرة استنكار ملؤها الحرقة: “واش هاد الناس ما غايدوشو ما غايشربو؟”، تلخيصا لوضع مأساوي جعل الحصول على جرعة ماء أو قضاء أبسط الحاجيات اليومية أشبه بـ “رحلة شاقة” تبدأ مع الفجر ولا تنتهي عند غسق الليل.
و لم تقتصر تداعيات الأزمة على تعطيل الحياة اليومية فحسب، بل امتدت لتشكل خطرا صحيا يعصف بالفئات الأكثر هشاشة. فالأطفال وكبار السن والمرضى وجدوا أنفسهم تحت رحمة ارتفاع درجات الحرارة ودون أدنى مقومات التبريد أو النظافة الشخصية، مما تحولت معه البيوت — حد تعبير المتضررين — إلى “جحيم لا يطاق”.
وأمام هذا العجز ، اضطر العديد من المواطنين إلى قطع مسافات طويلة بحثا عن السقايات العمومية أو الاستعانة بـ “النِقاط التقليدية”، في مشاهد تعيد إلى الأذهان أزمات العقود الماضية، لا تليق بحجم ورمزية مدينة بحجم فاس.
وما زاد من حدة الاحتقان الشعبي ليس فقط انقطاع المادة الحيوية، بل الصمت المطبق والتجاهل الصريح من قبل الجهات المعنية بتدبير القطاع بالمدينة، وعلى رأسها المكتب الوطني للماء و الكهرباء و الشركة الجهوية المتعددة الخدمات . إذ لم يصدرا حتى لحظة كتابة هذه السطور أي بلاغ توضيحي يحدد جدولة زمنية لعودة المياه، أو حتى يتضمن اعتذارا أدبيا للساكنة المتضررة.
هذا الغياب التواصلي اعتبره الفاعلون الجمعويون والسكان إهانة لكرامة المواطن وتملصا صريحا من واجب الإخبار والشفافية التي يفرضها دفتر التحملات وأخلاقيات المرفق العمومي.
و أمام هذا الوضع القائم، يطالب المتضررون بتدخل عاجل من وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت شخصيا، اما السلطات الولائية في فاس لا حول لها و لا قوة .
تبقى العين بمدينة فاس شاخصة نحو المسؤولين في انتظار تحرك ميداني يُنهي حالة عطش استنزفت طاقة الساكنة وأحرقها الصيف، في وقت أضحت فيه الحكامة والتواصل الأزمة الحقيقية التي تتطلب معالجة لا تقل أهمية عن إصلاح أنابيب المياه.






