لم يعد التبضع لعيد الأضحى بسوق بنسودة بفاس مجرد طقس اجتماعي أو شعيرة دينية عابرة، بل تحول في غضون الساعات القليلة الماضية إلى مواجهة مكشوفة وصادمة بين واقع اقتصادي مأزوم وقدرة شرائية منهارة للمواطن الفاسي.
فقبل أقل من ثمان وأربعين ساعة من نحر الأضاحي، يبدو المشهد داخل هذا الفضاء التجاري المحوري أشبه بمطبخ اجتماعي يغلي على صفيح ساخن ينذر بتبعات نفسية واجتماعية لا تخطئها العين، لاسيما بعد أن عاينت كاميرا الصحافة فراغا مهولا يلف أركان السوق التي كانت في مثل هذه الأوقات تضيق بالقطعان والوافدين. ولم تكن الصدمة التي تلقتها الأسر الفاسية وليدة الأسعار الحارقة فحسب، بل جراء الاختفاء الغامض والمفاجئ للأكباش وغياب اللوحات المعتادة لقطعان الأغنام التي كانت تملأ الأفق، حيث حلت محلها مساحات عارية وجيوب تجارية متفرقة تعرض رؤوسا معدودة لا تلبي حجم الطلب المتزايد.
ويعزو المتابعون هذا الانكماش الحاد في العرض إلى كونه نتيجة حتمية لسلسلة من التراكمات المرتبطة بتوالي سنوات الجفاف وغلاء الأعلاف التي أثقلت كاهل الكسابة الحقيقيين، مما خلق قفزة فجائية في الأسعار.
وفي هذا السياق صرح مواطنون غاضبون ومذهولون بأنها أصبحت كتخلع وتتجاوز كل الحدود المنطقية، حيث بات العثور على أضحية تناسب الدخل المحدود أشبه بالبحث عن وهم وسط سوق يفتقر لأبسط شروط التوازن التجاري.
هذا الواقع الصادم بالميدان يعيد إلى الواجهة التساؤلات الحارقة حول غياب وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، ويسائل نجاعة معطيات الوزارة الوصية التي يرى المواطنون أنها تغرد خارج سرب الواقع المعيش.
ففي الوقت الذي يكتوي فيه الفاسيون بلهيب الأسعار في سوق فارغ، لا زالت أصداء تصريحات الوزير تحت قبة البرلمان، والتي زعم فيها أن أسعار الأضاحي متوفرة وتبدأ من ألف درهم، تثير موجة عارمة من السخط والسخرية السوداء وسط المرتادين. إذ يتساءل المواطنون بمرارة عن مكان وجود هذه الأكباش الحكومية المزعومة، معتبرين أن مثل هذه التصريحات تعكس هفوة تواصلية وانفصالا تاما للمسؤولين عن حقيقة الأسواق الحارقة التي لا يقل ثمن أقل أضحية فيها عن أربعة آلاف درهم فما فوق.
وفي المقابل، كان الملمح الأكثر إثارة ودلالة في ديناميكية السوق الحالية هو السلوك السيكولوجي السائد بين الشناقة والوسطاء، الذين آثروا التراجع للوراء والتواري عن الأنظار في خطوة غير مألوفة تعكس رعبا حقيقيا من انفجار غضب المواطنين المحتقنين.
ولم يكن هذا الاختفاء مدفوعا بصحوة ضمير مفاجئة، بل هو نتيجة مباشرة للأجواء المشحونة والمشادات الكلامية الحادة التي اندلعت في أكثر من نقطة بالسوق، مما جعل الوسطاء يستشعرون خطورة الموقف ويتخوفون من أي هجوم جماعي أو رد فعل عفوي من ساكنة ضاقت ذرعا بمضارباتهم وجشعهم في هذه الظرفية الحرجة.
وأمام هذا الاحتقان غير المسبوق، شهد السوق حركة فرار جماعي وتواري شبه تام للشناقة والوسطاء الذين آثروا الهروب بجلودهم وإخلاء الساحة بشكل مفاجئ، تفاديا للدخول في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع المواطنين الفاسيين الغاضبين.
وجاء هذا الانسحاب الاضطراري بعد أن استشعر المضاربون خطورة الموقف السائد في الميدان، حيث تعالت صيحات الاستنكار واندلعت مشادات كلامية حادة كادت في أكثر من مناسبة أن تتطور إلى تشابك بالأيادي.
وهو ما ولد رعبا حقيقيا لدى الشناقة من إمكانية انفلات الوضع الأمني وخروجه التام عن السيطرة جراء ثورة الجياع والمحروقين بنيران الغلاء، والذين لم يعد لديهم ما يخسرونه وهم يمرون بأصعب الظروف الاقتصادية.
إن هذه الأزمة الخانقة التي يعيشها سوق بنسودة بفاس تتجاوز حدودها المحلية لتضع السلم والاستقرار الاجتماعي على المحك في الساعات القليلة المتبقية قبل يوم العيد. فالعيد بالنسبة للفئات الهشة والطبقة المتوسطة يمثل اختبارا سنويا للكرامة الاجتماعية، وأمام غياب آليات المراقبة الصارمة وترك الحبل على الغارب للمضاربين، يجد المواطن البسيط نفسه بين مطرقة قضاء العيد بدون أضحية وما يترتب عن ذلك من شرخ نفسي عميق لأسرته، وسندان الاقتراض والوقوع في مستنقع الديون لتأمين كبش تحرق أثمنته الجيوب وتخلف وراءها موجة عارمة من الاستياء والتذمر وسط الساكنة.






