أثار اعتماد جهاز إلكتروني ذكي ومتطور لرصد الأجهزة والموجات اللاسلكية المشبوهة داخل قاعات الامتحان اهتماما واسعا ونقاشا مستفيضا مع انطلاق الامتحانات الإشهادية برسم الموسم الدراسي الحالي. وتزامنا مع انطلاق هذه الاستحقاقات الوطنية، انتشرت على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو توثق لعمليات التفتيش والمراقبة الصارمة داخل بعض مراكز الامتحان، حيث ظهر عدد من التلاميذ وهم يخضعون للإجراءات المعتمدة للكشف عن وسائل الغش الإلكتروني.
وقد أثارت هذه المشاهد تفاعلا كبيرا بين المتابعين، خاصة أن بعض التلاميذ بدوا في وضعية ترقب وارتباك واضحة أمام الحضور المكثف للجان المراقبة والأجهزة الإلكترونية المستعملة. ولتسليط الضوء على هذا الجانب الحساس وفهم انعكاسات أجواء الامتحان المشددة على الحالة النفسية للمترشحين، جرى فتح نقاش مطول مع الأخصائية النفسية ياسمين اليحياوي للوقوف على كواليس هذه الظاهرة.
وفي معرض جوابها عن سؤال حول مدى تأثير أجواء المراقبة وإجراءات مكافحة الغش على الحالة النفسية للمترشحين، أكدت الأخصائية النفسية ياسمين اليحياوي أن هذه الإجراءات تظل ضرورية لضمان تكافؤ الفرص ونزاهة الامتحانات، غير أن طريقة إدراك التلميذ لها وتمثله الداخلي لصرامتها هما اللذان يحددان أثرها النفسي عليه.
وأوضحت اليحياوي أن أجواء المراقبة المشددة خلال الامتحانات قد ترفع لدى بعض التلاميذ مستويات القلق والتوتر بشكل مفرط، وتولد لديهم مخاوف سيكولوجية مرتبطة بالفشل أو بارتكاب الأخطاء العفوية وبنظرة الآخرين إلى أدائهم، كما قد يؤثر هذا الشعور القوي بالمراقبة اللصيقة على ملكة التركيز وسلاسة استرجاع المعلومات، مما يحد من قدرة بعض المترشحين على إظهار مستواهم الحقيقي رغم توفرهم على الاستعداد الكافي والمعارف اللازمة، خاصة في مرحلة المراهقة التي ترتبط فيها النتائج الدراسية بصورة الذات والثقة بالنفس.
وعن الأسباب التي تجعل الامتحان يكتسب هذا البعد النفسي القوي والعميق لدى المراهقين، أشارت المتحدثة إلى أن التلميذ في هذه المرحلة العمرية غالبا ما يربط نتائج الامتحان بقيمته الشخصية الوجودية وبنظرة أسرته ومحيطه الاجتماعي إليه، كما يعتبرها مؤشرا حاسما على مستقبله الدراسي والمهني، لذلك يصبح النجاح أو الإخفاق بالنسبة إليه أكثر من مجرد نتيجة مدرسية عادية بل تجربة وجودية تمس ثقته بنفسه وصورته الذاتية.
وأضافت أنه قد يمتلك تلميذان نفس الرصيد المعرفي ونفس درجة الاستعداد الأكاديمي، لكنهما لا يقدمان دائما نفس الأداء بسبب اختلاف حالتهما النفسية، فالثقة بالنفس والشعور بالأمان والقدرة على التحكم في التوتر كلها عوامل حاسمة تؤثر بشكل مباشر في النتائج النهائية، ولذلك فإن جودة التقييم لا ترتبط فقط بدقة الأسئلة أو صرامة التنظيم والتدبير، بل أيضا بتهيئة بيئة نفسية سليمة ومطمئنة تسمح للتلميذ بإظهار إمكاناته الحقيقية دون خوف.
أما من المنظور النفسي الخالص للامتحانات الإشهادية، فقد شددت ياسمين اليحياوي على أن هذه الامتحانات، خاصة بالنسبة لتلاميذ الأولى والثانية بكالوريا، لا تمثل مجرد محطة عابرة لتقييم المعارف والمكتسبات الدراسية، بل تشكل تجربة نفسية معقدة يعيشها المراهق في مرحلة عمرية حساسة تشهد انشغاله ببناء هويته المستقلة وتشكيل صورته عن نفسه، ولهذا يتجاوز الامتحان الجانب الأكاديمي ليأخذ أبعاداً نفسية واجتماعية بالغة الأهمية.
وزادت الأخصائية مستدلة بالعديد من الدراسات العلمية التي تؤكد أن ارتفاع مستويات القلق أثناء التقييم يؤثر سلبا على التركيز واسترجاع المعلومات، فحين ينشغل جزء كبير من التفكير بالخوف من الفشل أو بقلق نظرة الآخرين، تتراجع الموارد الذهنية المتاحة لمعالجة الأسئلة وحل المشكلات، وهو ما قد يؤدي حتما إلى أداء أقل بكثير من المستوى الحقيقي للتلميذ.
وفي ختام حديثها، وجهت الأخصائية النفسية رسالة توجيهية هامة دعت فيها التلاميذ إلى التركيز الكامل على ما أنجزوه من استعداد ومراجعة طيلة السنة بدل الانشغال المسبق بالنتائج وعواقبها، كما طالبت الأسر والعائلات بضرورة توفير الدعم النفسي والتشجيع المستمر بدل ممارسة الضغط وتدبيج المقارنات المحبطة، مؤكدة أن الامتحان يظل محطة مهمة في الحياة لكنه لا يختزل أبدا قيمة الإنسان ولا يحدد وحده مستقبله بالكامل.






